شكيب أرسلان

169

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

فيسير نحو نصف الساعة ، فإذا هو أمام نهر في باحة واسعة الجوانب ، يسمّونها القانس ، - بالكاف المعقودة - وهي موضع سوق عكاظ ، الذي لا تكاد تقرأ كتابا من كتب الأدب ، أو التاريخ العربي ، إلا وجدت له ذكرا فيه . وهذه الباحة التي يسمونها القانس ، هي مجتمع الطرق إلى اليمن والعراق ومكة ، وهي مرتفعة ، تشرف على جبال اليمن ، وبينها وبين الطائف مرحلة واحدة . كلّ ذلك يدلك على ما دعا العرب في الجاهلية لاختيار هذه البقعة المتوسطة من دون غيرها ، لتكون مجمعهم الأكبر ، ومعرضهم الأشهر ، ولم أجد فيما بين يديّ من مصنفات التاريخ تعليلا لاتفاق القبائل على الاجتماع في هذا المكان غير ما عرفته الآن . والواقف في القانس - أو عكاظ - يرى على مقربة منه موضعين مرتفعين ، أحدهما يسمى الدمة - بكسر ففتح - والآخر البهيتة - بصيغة التصغير - وعكاظ هو الفاصل بين الدمة والوادي الموصل إلى الطريق التي يمرّ بها سالكو درب السيل اليمانية ، ثم نقل قول ياقوت عن عكاظ - وختم بقوله - : وسمعت كثيرا من أهل الطائف يقولون : إنّ عكاظا كان في مكان يعرف اليوم باسم القهاوي ، في وادي ليّة من الطائف ، غير أنّ الشيوع يؤيد ما قلناه آنفا من أنّه هو القانس نفسه ، وعليه أكثر العارفين من أهل هذه الديار « 1 » ا ه . أفلا يحتمل أن يكونوا أقاموا السوق مرّة في القانس ، ومرة في المكان المسمى اليوم بالقهاوي ؟ على أنّ قول الأخ الزركليّ ( إنّ القهاوي هي في وادي لية ) فيه نظر ، لأنّ القهاوي ليست في وادي ليّة ، ولا وادي لية قريب من هناك ، فقد عرفت وادي لية ، وسأتكلّم

--> ( 1 ) [ « ما رأيت وما سمعت » : ( 122 ) ] .